أبي حيان الأندلسي
86
البحر المحيط في التفسير
تقديره : حبا مثل حب اللّه ، والمصدر مضاف للمفعول المنصوب ، والفاعل محذوف ، التقدير : كحبهم اللّه ، أو كحب المؤمنين اللّه ، والمعنى أنهم سوّوا بين الحبين ، حب الأنداد وحب اللّه . وقال ابن عطية : حب : مصدر مضاف إلى المفعول في اللفظ ، وهو على التقدير مضاف إلى الفاعل المضمر ، تقديره : كحبكم اللّه ، أو كحبهم ، حسبما قدر كل وجه منهما فرقة . انتهى كلامه . فقوله : مضاف إلى الفاعل المضمر ، لا يعني أن المصدر أضمر فيه الفاعل ، وإنما سماه مضمرا لما قدره كحبكم أو كحبهم ، فأبرزه مضمرا حين أظهر تقديره ، أو يعني بالمضمر المحذوف ، وهو موجود في اصطلاح النحويين ، أعني أن يسمى الحذف إضمارا . وإنما قلت ذلك ، لأن من النحويين من زعم أن الفاعل مع المصدر لا يحذف ، وإنما يكون مضمرا في المصدر . وردّ ذلك بأن المصدر هو اسم جنس ، كالزيت والقمح ، وأسماء الأجناس لا يضمر فيها . وقال الزمخشري : كحب اللّه : كتعظيم اللّه والخضوع له ، أي كما يحب اللّه ، على أنه مصدر من المبني للمفعول ، وإنما استغنى عن ذكر من يحبه ، لأنه غير ملبس . وقيل : كحبهم اللّه ، أي يسوون بينه وبينه في محبتهم ، لأنهم كانوا يقرون باللّه ويتقربون إليه ، فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ « 1 » . انتهى كلامه . واختار كون المصدر مبنيا للمفعول الذي لم يسم فاعله ، وهي مسألة خلاف . أيجوز أن يعتقد في المصدر أنه مبني للمفعول ؟ فيجوز : عجبت من ضرب زيد ، على أنه مفعول لم يسم فاعله ، ثم يضاف إليه ، أم لا يجوز ذلك ؟ فيه ثلاثة مذاهب ، يفصل في الثالث بين أن يكون المصدر من فعل لم يبن إلا للمفعول نحو : عجبت من جنون بالعلم زيد ، لأنه من جننت التي لم تبن إلا للمفعول الذي لم يسم فاعله ، أو من فعل يجوز أن يبنى للفاعل ، ويجوز أن يبنى للمفعول فيجوز في الأول ، ويمتنع في الثاني ، وأصحها المنع مطلقا . وتقرير هذا كله في النحو . وقد رد الزجاج قول من قدر فاعل المصدر المؤمنين ، أو ضميرهم ، وهو مروي عن ابن عباس ، وعكرمة ، وأبي العالية ، وابن زيد ، ومقاتل ، والفراء ، والمبرد ، وقال : ليس بشيء ، والدليل على نقضه قوله تعالى بعد : وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ، ورجح أن يكون فاعل المصدر ضمير المتخذين ، أي يحبون الأصنام كما يحبون اللّه ، لأنهم أشركوها مع اللّه تعالى ، فسووا بين اللّه وبين أوثانهم في المحبة على كمال قدرته ولطيف فطرته وذلة الأصنام وقلتها . وقرأ أبو رجاء العطاردي : يحبونهم ، بفتح الياء ، وهي لغة ، وفي المثل السائر : من حب طبّ ، وجاء مضارعه على يحب ، بكسر
--> ( 1 ) سورة العنكبوت : 29 / 65 .